سيد قطب
1935
في ظلال القرآن
تشد جميع خيوطها كذلك . . إنه خط العقيدة الذي يرتكز إليه هذا الدين كله . . وإنه محور العقيدة الذي يدور عليه هذا المنهج الرباني لحياة البشرية جملة وتفصيلا . . وسنحتاج - في التعقيب الإجمالي على هذه السورة - أن نقف وقفات إجمالية كذلك على ذلك الخط وعلى هذا المحور - كما يتجلى في سياق السورة - وبعضها مما يكون قد سبق لنا الوقوف عنده شيئا ما . ولكننا في هذا التعقيب الإجمالي سنحتاج إلى الإلمام به ، ربطا لأجزاء هذا التعقيب الأخير : إن الحقيقة الأولى البارزة في سياق السورة كله . . سواء في مقدمتها التي تعرض مضمون الكتاب الذي أرسل به محمد - صلى اللّه عليه وسلم - أو في القصص الذي يعرض خط الحركة بالعقيدة الإسلامية على مدى التاريخ البشري . أو في التعقيب الختامي الذي يوجه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى مواجهة المشركين بالنتائج النهائية المستخلصة من هذا القصص ومن مضمون الكتاب الذي جاءهم به في النهاية . . إن الحقيقة الأولى البارزة في سياق السورة كله . . هي التركيز على الأمر بعبادة اللّه وحده ، والنهي عن عبادة غيره . . وتقرير أن هذا هو الدين كله . . وإقامة الوعد والوعيد ، والحساب والجزاء ، والثواب والعقاب ، على هذه القاعدة الواحدة الشاملة العريضة . . كما أسلفنا في تقديم السورة وفي مواضع متعددة من تفسيرها . . فيبقى هنا أن نجلي أولا طريقة المنهج القرآني في تقرير هذه الحقيقة ، وقيمة هذه الطريقة : إن حقيقة توحيد العبادة للّه ترد في صيغتين هكذا : « يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ . . . » * . . « أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ، إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ . . . » . . وواضح اختلاف الصيغتين بين الأمر والنهي . . فهل مدلولهما واحد ؟ . إن مدلول الصيغة الأولى : الأمر بعبادة اللّه ، وتقرير أن ليس هناك إله يعبد سواه . . ومدلول الصيغة الثانية : النهي عن عبادة غير اللّه . . والمدلول الثاني هو مقتضى المدلول الأول ومفهومه . . ولكن الأول « منطوق » والآخر « مفهوم » . . ولقد اقتضت حكمة اللّه - في بيان هذه الحقيقة الكبيرة - عدم الاكتفاء بالمفهوم ، في النهي عن عبادة غير اللّه . وتقرير هذا النهي عن طريق منطوق مستقل . وإن كان مفهوما ومتضمنا في الأمر الأول ! إن هذا يعطينا إيحاء عميقا بقيمة تلك الحقيقة الكبيرة ، ووزنها في ميزان اللّه سبحانه ، بحيث تستحق ألّا توكل إلى المفهوم المتضمن في الأمر بعبادة اللّه وتقرير أن لا إله يعبد سواه ؛ وأن يرد النهي عن عبادة سواه في منطوق مستقل يتضمن النهي بالنص المباشر لا بالمفهوم المتضمن ! ولا بالمقتضى اللازم ! كذلك تعطينا طريقة المنهج القرآني في تقرير تلك الحقيقة بشطريها . . عبادة اللّه . وعدم عبادة سواه . . أن النفس البشرية في حاجة إلى النص القاطع على شطري هذه الحقيقة سواء . وعدم الاكتفاء معها بالأمر بعبادة اللّه وتقرير أن لا إله يعبد سواه ؛ وإضافة النهي الصريح عن عبادة سواه إلى المفهوم الضمني الذي يتضمنه الأمر بعبادته وحده . . ذلك أن الناس يجيء عليهم زمان لا يجحدون اللّه ، ولا يتركون عبادته ، ولكنهم - مع هذا - يعبدون معه غيره ؛ فيقعون في الشرك وهم يحسبون أنهم مسلمون !